ابن عطية الأندلسي
485
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
و « الإخوان » جمع أخ ، ويجمع إخوة ، وهذان أشهر الجمع فيه ، على أن سيبويه رحمه اللّه يرى أن إخوة اسم جمع ، وليس ببناء جمع لأن فعلا لا يجمع على فعلة ، قال بعض الناس : الأخ في الدين يجمع إخوانا ، والأخ في النسب يجمع إخوة : هكذا كثر استعمالهم . قال القاضي أبو محمد . وفي كتاب اللّه تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ الحجرات : 10 ] وفيه ، أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ [ النور : 31 ] ، فالصحيح أنهما يقالان في النسب ، ويقالان في الدين ، و « الشفا » حرف كل جرم له مهوى ، كالحفرة والبئر والجرف والسقف والجدار ونحوه ، ويضاف في الاستعمال إلى الأعلى ، كقوله شَفا جُرُفٍ [ التوبة : 109 ] وإلى الأسفل كقوله شَفا حُفْرَةٍ ، ويثنى شفوان ، فشبه تعالى كفرهم الذي كانوا عليه وحربهم المدنية من الموت بالشفا ، لأنهم كانوا يسقطون في جهنم دأبا ، فأنقذهم اللّه بالإسلام ، والضمير في مِنْها عائد على النار ، أو على « الحفرة » ، والعود على الأقرب أحسن ، وقال بعض الناس حكاه الطبري : إن الضمير عائد على « الشفا » ، وأنث الضمير من حيث كان الشفا مضافا إلى مؤنث ، فالآية كقول جرير : رأت مرّ السنين أخذن منّي * كما أخذ السّرار من الهلال إلى غير ذلك من الأمثلة . قال القاضي : وليس الأمر كما ذكر ، والآية لا يحتاج فيها إلى هذه الصناعة ، إلا لو لم تجد معادا للضمير إلا « الشفا » ، وأما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه ، ويعضده المعنى المتكلم فيه ، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة وقوله تعالى : كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ إشارة إلى ما بين في هذه الآيات ، أي فكذلك يبين لكم غيرها ، وقوله ، لَعَلَّكُمْ ترجّ في حق البشر ، أي من تأمل منكم الحال رجا الاهتداء . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 105 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 ) قرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة : « ولتكن » بكسر اللام على الأصل ، إذ أصلها الكسر ، وكذلك قرءوا لام الأمر في جميع القرآن ، قال الضحاك والطبري وغيرهما : أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة ، فهم خاصة أصحاب الرسول ، وهم خاصة الرواة . قال القاضي : فعلى هذا القول « من » للتبعيض ، وأمر اللّه الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال ، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك ، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع ، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالما ، وذهب الزجّاج وغير واحد من المفسرين ، إلى أن المعنى : ولتكونوا كلكم أمة يدعون ، « ومن » لبيان الجنس قال : ومثله من كتاب اللّه ، فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ